الحلبي
420
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) [ الفاتحة : الآية 1 ] رافعا صوته الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) [ الرحمن : الآية 1 و 2 ] واستمر فيها فتأملته قريش ، وقالوا ما بال ابن أم عبد ، فقال بعضهم : يتلو بعض ما جاء به محمد ثم قاموا إليه يضربون وجهه وهو مستمر في قراءته حتى قرأ غالب السورة ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أدمت قريش وجهه ، فقال له أصحابه : هذا الذي خشينا عليكم منه فقال : واللّه ما رأيت أعداء اللّه أهون عليّ مثل اليوم ، ولو شئتم لأتيتهم بمثلها غدا ، قالوا لا قد أسمعتهم ما يكرهون . ومما وقع له صلى اللّه عليه وسلم من الأذية ، أنه كان إذا قرأ القرآن تقف له جماعة من يمينه وجماعة عن يساره ويصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار ، لأنهم تواصوا وقالوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [ فصلت : الآية 26 ] حتى كان من أراد منهم سماع القرآن أتى خفية واسترق السمع خوفا منهم . ومما وقع له صلى اللّه عليه وسلم من الأذية ما كان سببا لإسلام عمه حمزة رضي اللّه تعالى عنه ، وهو ما حدث به ابن إسحاق قال : حدثني به رجل من أسلم أن أبا جهل مر برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند الصفا : أي وقيل عند الحجون ، فآذاه وشتمه ونال منه ما يكرهه : أي وقيل إنه صب التراب على رأسه : أي وقيل ألقى عليه فرثا ووطئ برجله على عاتقه ، فلم يكلمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومولاة لعبد اللّه بن جدعان في سكن لها تسمع ذلك وتبصره ، ثم انصرف أبو جهل إلى نادي قريش : أي محل تحدثهم في المسجد فجلس معهم ، فلم يلبث حمزة أن أقبل متوحشا بسيفه راجعا من قنصه : أي من صيده ، وكان من عادته إذا رجع من قنصه لا يدخل إلى أهله إلا بعد أن يطوف بالبيت ، فمرّ على تلك المولاة ، فأخبرته الخبر : أي فقالت له : يا أبا عمارة ، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد صلى اللّه عليه وسلم آنفا من أبي الحكم بن هشام ، تعني أبا جهل ، وجده هاهنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره ، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد صلى اللّه عليه وسلم : أي وقيل الذي أخبرته مولاة أخته صفية بنت عبد المطلب ، قالت له : إنه صب التراب على رأسه ، وألقى عليه فرثا ، ووطئ برجله على عاتقه . وعلى إلقاء الفرث عليه اقتصر أبو حيان في النهر ، فقال لها حمزة : أنت رأيت هذا الذي تقولين ؟ قالت نعم . وفي رواية فلما رجع حمزة من صيده إذا امرأتان تمشيان خلفه ، فقالت إحداهما : لو علم ما ذا صنع أبو جهل بابن أخيه أقصر عن مشيته ، فالتفت إليهما فقال : ما ذاك ؟ قالت أبو جهل فعل بمحمد كذا وكذا . ولا مانع من تعدد الأخبار من المرأتين والمولاتين فاحتمل حمزة الغضب ودخل المسجد ، فرأى أبا جهل جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى قام على رأسه رفع القوس وضربه فشجه شجة منكرة ، ثم